محمود محمود الغراب

الرؤيا والمبشرات 23

الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر

والختم بين يديه قد جثا ، يخبره بحديث الأنثى « 1 » ، وعليّ صلى اللّه عليه وسلم يترجم عن الختم بلسانه ، وذو النورين مشتمل برداء حيائه مقبل على شانه ، فالتفت السيد الأعلى ، والمورد العذب الأحلى ، والنور الأكشف الأجلى ، فرآني وراء الختم ، لاشتراك بيني وبينه في الحكم ، فقال له السيد : هذا عديلك ، وابنك وخليلك ، انصب له منبر الطرفاء بين يدي ، ثم أشار إليّ ، أن قم يا محمد عليه فأثن على من أرسلني وعليّ ، فإن فيك شعرة مني « 2 » ، لا صبر لها عني ، هي السلطانة في ذاتيتك ، فلا ترجع إليّ إلا بكليتك ، ولا بد لها من الرجوع إلى اللقاء ، فإنها ليست من عالم الشقاء ، فما كان مني بعد بعثي شيء في شيء إلا سعد ، وكان ممن شكر في الملأ الأعلى وحمد ، فنصب الختم المنبر ، في ذلك المشهد الأخطر ، وعلى جبهة المنبر مكتوب بالنور الأزهر ، هذا هو المقام المحمدي الأطهر ، من رقي فيه فقد ورثه ، وأرسله الحق حافظا لحرمة الشريعة وبعثه ، ووهبت في ذلك الوقت مواهب الحكم ، حتى كأني أوتيت جوامع الكلم ، فشكرت اللّه عز وجل وصعدت أعلاه ، وحصلت في موضع وقوفه صلى اللّه عليه وسلم ومستواه ، وبسط لي على الدرجة التي أنا فيها كم قميص أبيض فوقفت عليه . [ حتى لا أباشر الموضع الذي باشره صلى اللّه عليه وسلم بقدميه ، تنزيها له وتشريفا ، وتنبيها لنا وتعريفا ، أن المقام الذي شاهده من ربه ، لا يشاهده الورثة إلا من وراء ثوبه ، ولولا ذلك لكشفنا ما كشف ، وعرفنا ما عرف ، ألا ترى من تقفو أثره ، لتعلم خبره ، لا تشاهد من طريق سلوكه ما شهد منه ، ولا تعرف كيف تخبر بسلب الأوصاف عنه ، فإنه شاهد مثلا ترابا مستويا لا صفة له ، فمشى عليه ، وأنت على أثره لا تشاهد إلا أثر قدميه ، وهنا سر خفي إن بحثت عليه ، وصلت إليه ، وهو من أجل أنه إمام ، قد حصل له الأمام ، لا يشاهد أثرا ولا يعرفه ، فقد كشفت ما لا يكشفه ، وهذا المقام قد ظهر ، في إنكار موسى صلى اللّه على سيدنا وعليه وعلى الخضر ] فلما وقفت ذلك الموقف الأسنى ، بين يدي من كان من ربه في ليلة إسرائه قاب قوسين أو أدنى ، قمت مقنعا خجلا ، ثم أيدت بروح القدس فافتتحت مرتجلا :

--> ( 1 ) يعني مريم عليها السلام . ( 2 ) مقام كمال العبودة لا ينال ذوقا ، وقد حصل لنا منه صلى اللّه عليه وسلم شعرة ، وهذا كثير لمن عرف ، فما عند الخلق منه إلا ظله .